.
إلى الخليفة العثماني .. مراد الثاني .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
إعذرني يا مولاي الخليفة فأنت أول من سمعت أن اسمه ” مراد ” ، فأبيتُ إلا أن تصل هذه الرسالة إليك ، كما أني أعتذر عن تأخري الشديد في إرسالها ، فكان ينبغى أن تصلك قبل وفاتك بـ 558 سنة ، و لم يكن بيدي قدرة على أن أراسلك وأنا لم يخلق لي بعد عينان ولسان وشفتان ..
أن السبب الذي يجعلني أتكبد إرسل رسالة لك عبر العصور هو جمال اسمك ، فعند سماعي له أول مرة ، أوقع في إجوائي عطراً فاتناً ، فكان وقعه عذب لطيف ، حلو وسهل ، لكم كان تلك اللحظة بديعة للغاية .. اللحظة التي سمعت فيها أذني .. حروف أسمك ..
كنت حينها فتاة بلهاء ، ابلغ من العمر سبعة عشر عاماً ، لم أكن أحفل بشيء سوا بما ستجلبه لي صديقتي في الصف المجاور لصفي من ” روايات عبير العاطفية ” كنت أخبئها في حقبيتي المدرسية كأطفال غير شرعيين من أعين الطالبات و المعلمات وحتى من أسرتي ، في عصرنا هذا ، الحب جرماً لم تثبت إدانته، بصراحة لا أود أن أحكي عن تبديل المفاهيم في عصري ، بل أود أن أخبرك عن تلك اللحظة ، كنت أحفر على خشب الطاولة بقلم ذات رأس مدبب حروف اسمي بلغة غير العربية ، هل تعرف لغة الأنجليز ؟ ، كنت اتثأب و المعلمة تكتب اسمك بحجر أبيض ندعوه ” طبشور ” ، على لوح خشبي مدهون بطلاء أخضر مثبت على أحدى جدارن الفصل ندعوها ” سبورة ” ، عندها قالت ( درسنا اليوم عن الخليفة العثماني .. مراد الثاني ) ..
لم تتضح لدي الرؤيا ، فالدموع التي ترقرقت في عيني تكونت من شدة تثاؤبي ضّببت الصورة ، أمعنت النظر فتردد صدى اسمك في صدري .. م .. ر .. ا .. د ، إلتفت إلى زميلتي ” سامية ” وقلت : اسم جميل .. ” مراد ” إليس كذلك؟
لم تكن ” سامية ” تختلف عن الجميع ، فالرجل كائن محظور !! حتى لو كان اسم رجل من الأقوام التركية مات منذ مئات السنين !! ، رمقتني بنظرة لا مبالية ثم أكملت ماكانت هي مشغولة به ، إما أنا فكنت ادخل معاركي مع النعاس ، محاولة أن استمع لما تقوله المعلمة ، كنت أنا الخاسرة فغرقت فيه ..
عدت إلى البيت ومازال اسمك يطّن في رأسي ، فلقيت ” بإمي ” المريضة في حجرتها ، فحدثتها عن يومي الدراسي البليد ، وعن الدرس الذي تناول اسمك ، كانت أمي منشغلة بتقليب علبة دواء أسطوانية بيضاء .. قاطعتني .. ( أذهبي يا ابنتي واسألي أختك عن هذا الدواء ، فأنا غير متأكدة من تناولي له هذا الصباح ؟!! ) ، خطفت العلبة من يد والدتي وجريت بها إلى حيث أختي ، وعند سؤالها أكدت لي أنها تناولته ، وطلبت مني أن أجلس بالقرب من أمي علها تحتاج إلى شيء ، فما أن عدت إلى حجرة أمي ، حتى وجدتها نائمة فأثرت أن أتركها تنام على أن أوقظها لإخبرها بإمر الدواء ، فصعدت على سريرها بخفة ، وتمددت في حذر ، فكنت أقابلها بوجهي ، أنتظر أن تطلب مني شيء …
فتحت عيني فجأة ، وكان يظهر لي أن والدتي استيقظت منذ فترة ، لم يكن الأمر جيداً بالنسبة لي ، فزعت و قفزت من أعلى السرير ، وأنا متلعثمة بكلمات أرددها على عجل .. ” أنا آسفه ” ، ” لم أكن أقصد أن أنام ” ، ” حركتي الكثيرة كانت السبب في إيقاظك ” ، ” كان يجب علي أن أنام على الأرض”
- ( لا !! , لم يكن يجب عليك أن تنامي على الأرض ، كما أنك لم تزعجيني … لا بأس يا ابنتي .. والآن أخبريني .. هل أخذتُ الدواء هذا الصباح ؟ ) فأومات برأسي إيجاباً ، كنت ما أزال أؤنب نفسي وألوم هفوتي ، أجابت والدتي ( إذن أحضري لي ليموناً و كأس ماء ) .
كانت والدتي يا مولاي الخليفة .. تأكل الليمون بعد أن فقدت شهيتها بسبب المرض ، فكانت تقول لنا انه الشيء الوحيد الذي تستطيع أن تميّز مذاقه ، بعد أن اصبح كل شيء تتذوقه له مذاقاً مراً في فمها ..
بعد هذه الحادثة ، وبعد بضعه شهر .. نسيت اسمك ، وماتت أمي ..
الحياة تعني أن نتألم كثيراً وطويلاً جداً ، و السعادة لا تعلمنا ولا تمنحنا شيء فهي طارئه على الألم ..
لقد انقرض اسمك تحت رفات و جثث الذكرى ، وأنا أكبّر كل دقيقة ما يذهب لن يعود أبداً ، ثم حدث بعد عامين أن ذُكر اسمك مرة آخرى ، عندما عرفتنّي صديقتي وفاء بزميلة لها من قسم التاريخ ، كنت حينها أقف خارج كافتيريا كلية الآداب ممسكة بصعوبة فطيرتين بجبن و كأسين من الشاي بالحليب .. بعد السلام وبعض عبارات الترحيب والتعارف ، شكت تلك الجديدة عن خوضها لإختبار في منهج يدرّس الخلافة العثمانية ، قفز اسمك في رأسي ، وانزلق على لساني : هل تدرسون عن خليفة عثماني اسمه مراد ؟!! .. أجابت : بلى ، من تقصدين الأول أم الثاني أم الثالث ؟ ، للأسف لم أتذكر إي ترتيب كنت .. أجبت : لا أدري !! ولكنه والد الخلفية العثماني محمد الفاتح ، إذا لم تخني الذاكرة ؟
- آ آ .. تقصدين مراد الثاني هو والد محمد الفاتح .. كان جليا لي أنني لم أرق لها ، و لا أود ان أعرف لما ؟! ، فأسرعت بالإستاذن : حسناً .. عن أذنكما .. محاضرتي ستبدأ بعد قليل .. أراكما . ألتفت إلى وفاء وقلت : اسم جميل .. مراد .. إليس كذلك ؟، ردت وفاء بنصف ابتسامة : إذا أنجبتي صبياً .. سميّه مراد ، و إذا انجبتي صبيه سميّها غاية ، فكلهما يصبان في معنى واحد !! . تهكم وفاء كان كفيلاً بإن لا أشاركها في الأشياء الجميلة التي أعتقدها ، كل نقاش مع وفاء عقيم ، كل الأمور باطلة مالم تتفق معها !!
ودفن اسمك مره آخرى ، ثم أعيد إحياؤه فيني بعد ذلك بثلاثة اعوام .. عندها كنت أقلب محطات التلفزيون باحثة عن شيء ما يجلب لي النعاس ، فالساعة تجاوزت الثانية عشر منتصف الليل ، ولم يتبق على موعد استيقاظي لذهاب إلى العمل سواء خمس ساعات فقط ، أذكر أنني كنت مجهدة جداً ، ولكن كان الأرق متمكنّ مني. استقريت على قناة الجزيرة الوثائقية ، فكانوا يعرضون برنامج تاريخي عن الخلفاء العثمانين ، فكانت المصادفة أن تكون يا مولاي الخلفية ” مراد الثاني ” هو الخليفة الذي تناول البرنامج الحديث عنه ، وعندما اجتهدت لتركيز لمعرفة بطولاتك وأمجادك كان البرنامج يعلن انتهائه ..
في المرة الأخيرة لم انسى اسمك ولكن كنت أسهو عنك لفترات طويلة ، في هذه المره الأخيرة كبرت كثيراً ، لم أعد أحمل في حقائبي سوا أحلام مبتورة ، ودمعتان عند الضرورة ، و كأس فارغ من الفرح ..
حصل أن سألتني قبل 3 أسابيع زميلة لي في العمل عن أفضل الأسماء إلي ؟ فأجبتها : مراد ، فردت : مراد !! .. أسم تركي !! ، أجبتها : نعم اسم للخليفة العثماني مراد الثاني.
مولاي الخليفة ، لا أريد زوجاً اسمه مراد ، ولا أن أنجب ابناً اسمه مراد ، ولا أعشق رجلاً اسمه مراد ، ولا أنوي معرفة أحد بهذا الأسم ..
أنما أن أحببت اسمك ، لأنه أرتبط بك أنت ، أرتبط بالسنين وبالحنين وبالزمن اللقيط ، و لا أجده يليق بغيرك ، وأعدك بإن أبتاع كتاباً يتحدث عنك ، لإعرفك أكثر .
قبل الختام ، أود أن أعتذر عن عدم مقدرتي على شرح بعض الكلمات المدرجة في رسالتي : ( تلفزيون ، كلية الآداب ، كافتيريا ، الشاي بالحليب ، برنامج وثائقي ) ، كل ما أستطيع أن أكتبه لك، أننا في عصر متطور جداً ، وهذه الرسالة لن توفي شرح هذه المفردات ..
المعجبة بإسمك
إيمان
.